بقلم: ح. وحيو إريان
(إدارة مركز البحث والتطوير والتدريب الإقليمي لنهضة العلماء – لامبونغ)
بلغت نهضة العلماء (NU) عامها الـ ١٠٢ في ٣١ يناير ٢٠٢٥. وباعتبارها أكبر منظمة إسلامية في العالم، كان لها دور محوري في مسيرة الأمة الإندونيسية، كما ساهمت في تطور الحضارة العالمية. فمنذ تأسيسها على يد الشيخ محمد هاشم أشعري عام ١٩٢٦، تطورت نهضة العلماء لتصبح قوة اجتماعية ودينية ووطنية تحافظ على التوازن بين التقاليد والحداثة، وبين الروحانية والتقدم الدنيوي.
في هذا العصر الذي تجاوز قرنًا من الزمن، لم تقتصر نهضة العلماء على دورها كحارس للإسلام المعتدل في إندونيسيا، بل أصبحت مصدر إلهام عالمي في نشر رسالة الإسلام رحمة للعالمين. ومع تزايد تعقيد التحديات المعاصرة، أصبح من الضروري لنهضة العلماء أن تستمر في الابتكار، وتعزيز الجذور التقليدية، والاستجابة لحاجات الأمة في مواجهة التحولات العالمية.
نهضة العلماء ودورها الوطني
سجل التاريخ مساهمة نهضة العلماء الكبيرة في الكفاح من أجل استقلال إندونيسيا. فقد أصدر الشيخ محمد هاشم أشعري فتوى الجهاد في ٢٢ أكتوبر ١٩٤٥، مما أدى إلى مقاومة شعبية ضد الاستعمار. أكدت الفتوى أن الدفاع عن الوطن واجب ديني، مما دفع العلماء والشعب إلى الاتحاد لمواجهة قوات الاحتلال في معركة ١٠ نوفمبر في سورابايا.
بعد الاستقلال، استمرت نهضة العلماء في الحفاظ على وحدة جمهورية إندونيسيا وإرساء دعائم بانجاسيلا كأيديولوجية وطنية. وخلال مسيرتها السياسية، تحولت نهضة العلماء إلى حزب سياسي (١٩٥٢-١٩٨٤) قبل أن تعود إلى مسارها الاجتماعي الديني في مؤتمرها بسيتوبوندو عام ١٩٨٤. أكدت هذه العودة التزام نهضة العلماء بدورها كمنظمة دعوية وتعليمية واجتماعية مكرسة لخدمة الأمة.
وفي اللحظات الحرجة من تاريخ الأمة، لعبت نهضة العلماء دائمًا دورًا في تعزيز الوحدة الوطنية. ففي خضم الأزمة السياسية والانتقال الإصلاحي عام ١٩٩٨، قاد الشيخ عبد الرحمن وحيد (جوس دور) نهضة العلماء للحفاظ على الاستقرار الوطني. وحتى اليوم، تواصل نهضة العلماء دعم الديمقراطية بروح الاعتدال والتسامح والشمولية.
نهضة العلماء والتعليم: بناء جيل متعلم وذي أخلاق
من أبرز مساهمات نهضة العلماء جهودها في مجال التعليم. فقد خرجت مدارسها الإسلامية (المدارس الداخلية أو البسانترين) ملايين الطلبة الذين يشكلون جزءًا من نظام تعليمي إسلامي متين ومستدام. ولم تكن هذه المدارس مجرد مؤسسات تعليمية دينية، بل كانت أيضًا مختبرات اجتماعية تسهم في تشكيل الهوية الوطنية.
كما أنشأت نهضة العلماء مؤسسات تعليمية متعددة المستويات، من المدارس الابتدائية إلى الجامعات، مثل جامعة نهضة العلماء (UNU) التي انتشرت في مختلف المناطق. وتسعى هذه المؤسسات إلى الدمج بين التعليم الديني والعلمي، لإعداد جيل متمكن في الشريعة والعلوم الحديثة على حد سواء.
بالإضافة إلى ذلك، تبنت نهضة العلماء التعليم الرقمي والتقنيات الحديثة لمواكبة التطورات في العصر الرقمي، مما يضمن استمرار تأثيرها في ظل الطفرة التكنولوجية والمعلوماتية.
نهضة العلماء على الساحة الدولية: دبلوماسية الإسلام المعتدل
لم تقتصر مساهمة نهضة العلماء على المستوى الوطني، بل امتدت إلى الساحة العالمية. فمن خلال نهجها الوسطي (الإسلام الوسطي)، شاركت في العديد من المنتديات الدولية لنشر قيم الإسلام التي تدعو إلى السلام والتسامح والانفتاح.
في عام ٢٠١٩، أطلقت نهضة العلماء حركة الإسلام الأرخبيلية لتعريف العالم بنموذج الإسلام الإندونيسي الذي يجمع بين التسامح والتعايش السلمي. كما شاركت في حوارات الأديان والدبلوماسية الثقافية لمكافحة التطرف في مختلف أنحاء العالم.
واكتسبت نهضة العلماء مكانة بارزة عالميًا، حيث تمت دعوة رئيسها العام، الشيخ يحيى خليل ثقاف، إلى منتديات دولية لمناقشة قضايا السلام والسياسات العالمية، مما يعزز مكانة إندونيسيا كمرجعية للإسلام المعتدل.
تحديات ومستقبل نهضة العلماء
رغم الإنجازات الكبيرة، تواجه نهضة العلماء تحديات في قرنها الثاني، أبرزها كيفية الحفاظ على هويتها وسط التغيرات الاجتماعية المتسارعة. يجب أن يكون شباب نهضة العلماء قادرين على مواجهة تحديات العولمة دون التخلي عن القيم التقليدية التي تميز الإسلام الأرخبيلية.
كما يتوجب على نهضة العلماء تعزيز استقلالها الاقتصادي. فمع امتلاكها قاعدة جماهيرية ضخمة، تمتلك نهضة العلماء إمكانيات اقتصادية هائلة يمكن استثمارها في مشاريع مثل الاقتصاد القائم على المدارس الداخلية، والتعاونيات الإسلامية، والمنظومات التجارية المجتمعية، لتعزيز رفاهية الأمة.
ومن التحديات الأخرى الحفاظ على وحدة الصف الداخلي وسط تقلبات السياسة الوطنية. وكمنظمة كبرى، تحتضن نهضة العلماء طيفًا واسعًا من الآراء السياسية، لذا من الضروري الحفاظ على التزامها بخط ١٩٢٦ وتقديم مصلحة الأمة على المصالح السياسية الضيقة.
ختامًا
على مدى أكثر من قرن، كانت نهضة العلماء جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الأمة الإندونيسية والحضارة العالمية. إن دورها في المجال الديني والتعليمي والاجتماعي والسياسي يبرهن على أنها قوة كبرى ليست فقط في الحفاظ على التقاليد، بل في التكيف مع العصر أيضًا.
في الذكرى الـ ١٠٢، نأمل أن تظل نهضة العلماء ركيزة لبناء حضارة أكثر عدلًا وتسامحًا وكرامة، مستمرة في رسالتها كحارس للأخلاق الوطنية، ورائد في التعليم، وسفير للإسلام المعتدل عالميًا.
عيد ميلاد سعيد لنهضة العلماء!
نسأل الله أن يوفقها لمزيد من التقدم في خدمة الأمة والحضارة العالمية.
